مِساحتي

عثرات الماجستير

عبدالله الحنشي02 نوفمبر 20215 دقائق للقراءة٢٠٦ مشاهدة

الفصل الأخير في رحلة البكالوريوس، وبصحبه زملاء الدراسة والأصدقاء كان حديثنا عن المرحلة القادمة ما بعد التخرج، البعض كان واضحاً منذ البداية أن هذه المرحلة هي آخر مراحل التعليم الجامعي بالنسبة له وأن السبب الرئيسي لإستكمال دراسة البكالوريوس هو الطموح في تعديل الوضع الوظيفي لا غير. في الجانب الآخر من الطموح هُناك أنا وبعض الأصدقاء الطامحين في مواصلة المشوار الدراسي والالتحاق ببرنامج الماجستير في إحدى الجامعات، في حين كان طموحي أن أواصل التعليم في نفس تخصصي (تقنية المعلومات) آثر البعض أن يتجه إلى تخصصات أخرى مثل إدارة الأعمال وكان صديقي وأخي حمد أكثر المتمسكين بهذا الرأي. ما هي إلا أيام قليلة منذ حفل التخرج حتى باشرت البحث عن الجامعات وإجراءات الدراسة وتأمين التكلفة المادية ورغم العثرة الأولى في عدم الحصول على موافقة التفريغ للدراسة إلا أنها كانت أهون وأخف من العثرة التي تلتها. العثرة الثانية، زادت شدة الأمر فتأمين التكلفة المادية أخذ مني كثيراً من البحث والتفكير وأسهل الحلول كان التوجه إلى أحد البنوك ولكن كنت كثيراً ما أتوجس وأتردد من هذه الفكرة، نصحني أحد الأخوة بالذهاب إلى إحدى المؤسسات الداعمة للتعليم حيث يتم توفير قرض دراسي بدون فوائد وفق شروط وآليات معينة، جمعية المناهل كانت الملاذ الأخير للحصول على قرض تعليمي وما أن باشرت في الإجراءات حتى أتى الفرج من حيث لا أحتسب.

مريم بنت سعيد، سليلة بيت العلم والقضاء حفيدة الشيخ حمد بن القاضي الشيخ عبدالله بن عيسى السّمي الحسني، وحيث أن لأجدادها الكثير من الشواهد والأثر العلمي والموروث الثقافي فقد كانت هي المنقذ لي والحبل الذي من خلاله تمسكت بالأمل، وهي الماسك المتشبث بالسلم الذي صعدت من خلاله إلى هذا المشوار التعليمي. أمي، في يوم كأحد أيام إجازة نهاية الأسبوع المعتادة حيث نقضيها في منزل الوالد في جعلان، تدخل أمي الغرفة بسؤال مباشر "كيف موضوع الدراسة، سمعت تحاول تدبر مبلغ الجامعة، حصلت ولا؟" ، شرحت لها الوضع القائم وأنني في صدد إستكمال إجراءات جمعية المناهل وذلك للحصول على القرض الدراسي فتسأل "هو كم المبلغ؟" وما إن أخبرتها حتى ذهبت وأتت بظرف يحتوي على أكثر من ٨٠٪ من المبلغ الكلي. امتزجت المشاعر والأحاسيس وكانت إشارة بداية المشوار الجديد بدأت ما إن أمنتُ التكلفة المادية للدراسة، وكانت أمي كعادتها تنتشلنا من عثراتنا منذ أيامنا الأولى في هذا الحياة وتجعلنا نستند عليها لمواصلة ما تبقى منها. 

تمت الموافقة من قبل الجامعة البريطانية، وها نحن نباشر في الفصل الأول من المشوار الجديد والتحدي الجديد في هذه الحياة، كانت الفرحة غامرة والإحساس لا يمكن وصفة، التعرف على النظام وزملاء الدراسة وبدء الأيام الأولى. عثرات متواصلة، لا يمكن حصر العثرات أو ترتيبها في هذا المشوار ولكن يمكن الوصف بأن أشدها لم يكن قد بدأ بعد وكان الفصل الدراسي الأول أشد الفصول انتكاسة حيث توالت العثرات على الصعيد الشخصي وكان تأثيره مباشر وقاسي على الصعيد الدراسي. كان خيار التراجع مطروح من البعض ( وهنا أتحدث عن فكرة التراجع عن مواصلة الدراسة) ولكن بالنسبة لي قبول التحدي يعني المواصلة حتى خط النهاية دون تردد. واصلت المشوار في الفصل الأول، ولكن النتيجة كانت جداً مؤسفة حيث حصلت على درجة نجاح ضعيفة في أحد المواد ورسوب في أحد الإختبارات النهائية لمادة أخرى نجحت به بشق الأنفس. قساوة النتيجة وأثرها المباشر علي حاد بي عن مواصلة الدراسة والتوقف لفصل واحد، أشهر كانت كفيلة بإعادة ترتيب الأولويات ومعالجة ما أفسدته الأيام و أحدثته العثرات. تسعة أشهر، الرجوع إلى الصفوف الدراسية من جديد تخللتها الكثير من الخوف والتردد، ولكن الإصرار كان أقوى والعزيمة كانت ثابتة والمحصلة تحول كامل وجذري في المستوى والنتيجة. 

اليوم هو بداية الفصل الأخير حيث تقديم موضوع البحث العلمي والبدء في الجهد الأكبر، كنت قد بدأت قبلها بفترة طويلة في البحث والتفكير والسؤال والإستشارة في عدة مواضيع مختلفة وجلّ تفكيري منصب في نوعية البحث والهدف الرئيسي والنتيجة النهائية، وبكل تأكيد الطموح في الحصول على معدل أعلى في الرسالة. سبعة أشهر، أكثر من خمسة آلاف ساعة من التفكير والاستشارات والبحث والعمل المتواصل، التعب المرهق والسهر كانت من أكثر الآثار الظاهرة على رغم محاولتي إخفائها تحت الابتسامة المتواصلة. المرحلة الأخيرة شاقة، مناقشة المشروع كانت الخطوة الأخيرة في هذا السلم، وكانت النهاية لمرحلة الجهد، وانتظار النتيجة هي الشيء الأخير لمعرفة النتيجة.

اليوم هو اليوم المنشود، معرفة المحصلة النهائية من هذا المشوار، النتيجة من العثرات والمتواصلة وخط النهاية لمرحلة الماجستير كل هذا سوف يتوج اليوم. الشعور عند قراءة (Award Classification: Distinction) لا يوصف، تتويج الجهد بدرجة الإمتياز كان أحد الأهداف والحصول عليها كان أغلى الجوائز. معرفة أن تلك الساعات الطويلة كانت ذا نتيجة يغمرني بسعادة لا توصف. الآن أنا أسترجع الشريط سريعاً بعد حمد الله وتوفيقه، أمي بداية الانطلاقة والحبل الذي يبقيني في منطقة الأمان، أبي سيدي وولي نعمتي والتاج الذي يستقر في رأسي والقدوة التي أمشي على خطاه، أخوتي سند لم يتوقف، الأصدقاء وزملاء العمل والدراسة إستشارات ونصائح طوال المرحلة، المُحاضرين البوابة التي تمدنا بالمعرفة والإرشاد، والورقة الرابحة التي حصلت عليها خلال هذه الرحلة (تميمةُ الحظِّ) كانت السر خلف الابتسامة والصمود. 

هُنا تنتهي المرحلة الأولى في طريق الحلم، والطموح متواصل للوصول إلى الغاية النهائية في هذا الطريق الذي لن يتوقف إلا بانتهاء العمر، فالشكر لكل من ساهم في بلوغي إلى هذه المرحلة، لكل من كان سبب في البداية والداعم إلى النهاية، لكل من قدم نصيحة أو إستشارة أو معلومة، لكل شخص، شكراً لكم.

عبدالله بن سالم الحنشي

التعليقات

أضف تعليقًا

مقالات ذات صلة

سفر - نوفمبر ٢٢
عبدالله الحنشي2 دقائق للقراءة

سفر - نوفمبر ٢٢

الأيام تمضي سريعاً، والأسئلة تتوافد إلى عقولنا دون توقف، والإجابات تحتاج إلى اجتهاد ومحاولات وربما صراع ذاتي أو مع الغير. اثنان وأربعون يوماً في هذه البلدة الساحلية الواقعة في الجنوب الغربي من إنجلترا مضت دون إدراك، الإحساس البطئ للوقت تلاشى دون أن يترك أثر يمكن الرجوع إليه، البحث عن الذات ما زال

سفر - أكتوبر ٢٢
عبدالله الحنشي3 دقائق للقراءة

سفر - أكتوبر ٢٢

اليوم أكمل يومي الثاني عشر في هذه البلدة الساحلية الواقعة في الجنوب الغربي للمملكة المتحدة، البلدة هادئة في هذه الأوقات من السنة لكنها تكون صاخبة في فصل الصيف بسبب توافد السياح من مختلف الأماكن خصوصاً من المدن البريطانية الأخرى. كان الهدف الرئيسي من هذه الرحلة هو الخروج من الضغوط المتواصلة والبحث

عبدالله الحنشي1 دقائق للقراءة

أ ح ر ف

أ ح ر ف هُناك بضع أحرف، ربما أكثر،  حتماً أكثر.  لنبدأ أول السطر..  هُناك بعض أحرف،  أحرف تريد أن تنتزع نفسها وتخرج إلى ذلك الذي يعتبره البعض مستحيل، أو الوصول إليه تجاوز للخطوط العريضة التي يضعها البعض، كالخط الأصف

اشترك في النشرة

مقالات جديدة مباشرة إلى بريدك، بدون إزعاج.