مِساحتي

آخر الساعات

عبدالله الحنشي02 مايو 20262 دقائق للقراءة٥٤ مشاهدة
آخر الساعات

جلستُ مع أختي أم شهد.

لم أكن أبحث عن تفاصيل بقدر ما كنت أبحث عن فهمٍ، عن طمأنينةٍ متأخرة، عن صورةٍ تُكمل ما غاب عنّي في تلك الساعات.

نظرت إليّ... وعرفتُ قبل أن تتكلم أنّ الحكاية ثقيلة.

تنفّست بعمقٍ وقالت:

"أحكيلك كل شي يا عبدالله... عشان تعرف كيف كانت آخر ساعاته."

❊ ❊ ❊

وضعت يدها على رأسه فوجدته يشتعل حرارةً، ولمست أطراف قدميه فإذا بها باردة كالثلج. علاماتٌ لم تستطع أن تتجاهلها، ولم تستطع أن تتماسك أمامها.

طلبت منه أن يقوم ويستحم.

ردّ عليها بهدوء:

"أخواني راح يغسلوني."

كأنّه كان يعرف. كأنّه كان يودّع الدنيا وهو مُدركٌ تماماً أنّها ساعاته الأخيرة.

❊ ❊ ❊

بعد صلاة الجمعة، نُودِيَ أبي.

حضر... ليجد أغلى أبنائه في حالٍ مختلفة.

اقترب منه، وكأنّ مشهداً قديماً يُعاد... مشهدٌ كان نبهان قد كتبه في روايته "ظلّ يسقط من مرآة" إذ قال:

"لكنّه عانقني... ودّعني هامساً... ربّت على كتفي... مسح على رأسي... رمقني بنظرةٍ منكسرة... ثم ذهب دون أن يتركني أقول له وداعاً."

وكأنّ الكلمات لم تكن أدباً... بل نبوءة ألم.

يعيد المشهد نفسه. كأنّه حلمٌ يتحقق بألمٍ كبير. ليس حلماً، بل كابوسٌ سوف ينغرس ويتشبّث بذاكرتنا، ويعشّش بحزنه على قلوبنا.

❊ ❊ ❊

يخرج أبي إلى الصالة وهو في حالةٍ مزيجٍ بين الصبر والإيمان بالله، وبين حزنٍ وخوف.

❊ ❊ ❊

وصلت سيارة الإسعاف.

وكعادته... حتى في أصعب لحظاته، لم يُرِد أن يراه أحدٌ منكسراً.

قال:

"خذوا أبوي وأمي من الصالة... ما أريد أحد يشوفني كذا."

دخل الفريق الطبّي، أجرى ما يلزم، ثمّ نُقل إلى سيارة الإسعاف.

❊ ❊ ❊

وقف أبي عند النافذة... ينظر إليه وهو يُحمَل بعيداً، وقال:

"في حفظ الله... استودعتك الله يا ولدي."

تتعمّق فتراه قويّاً صابراً، وفي ذات الوقت منكسراً. تعتقد أنّه سيتّكئ على الجدار أو سيخرّ على الأرض، لكنّه كان مختلفاً. فهو من يردد لأبنائه قائلاً:

"يا عيالي، أخوكم يحتاج دعاء... وأقدار الله ماضية."

❊ ❊ ❊

سكتت أم شهد... وسكتُّ أنا.

لم يعد هناك ما يُقال.

بين الأدب والواقع...

كتب نبهان وداعه قبل أن نعيشه.

ورحل... كما عاش...

قويّاً، عفيف الألم، لا يُري انكساره لأحد.

رحمك الله يا نبهان...

وجعل ما أصابك رفعةً لك في أعلى الجنّات.

إنّا لله وإنّا إليه راجعون

التعليقات

أضف تعليقًا

مقالات ذات صلة

عبدالله الحنشي1 دقائق للقراءة

غربة

اليوم جلستُ أُفَكِّرُ مَليِّاً،كيف حدث؟لا أعلم فحديثي عنكِ يتكرر دائماً،دائماً ما أَجِدُني أُطالعكِ،أَجِدُني مُنقَسِمٌ على ذاتي،جزءٌ قد حُبس عند آخر لقاء،وجزءٌ يبحث عن حياة أضاعها،وجزءٌ يُأملُ النفس بالنجاة،وآخر يُريدُ أن يتنفس،آخر يهرب، وغيرة يختبىء. p

عبدالله الحنشي1 دقائق للقراءة

حصن بيت العسكري الحنشي

حصن عبدالله العسكري أو بيت عبدالله العسكري ، هو عبارة عن منزل محصن يقع في منطقه الفليج بولاية جعلان بني بو حسن، وقد قام ببناءه عبدالله بن سعيد بن عبدالله الحنشي والذي يعرف بعبد الله العسكري الحنشي. والمنزل بني في تله مرتفعه تحيطها من الجهة الشرقية والشرقية الجنوبية مزارع المنطقة.

راعي الهرتوب العنابي
نبهان الحنشي3 دقائق للقراءة

راعي الهرتوب العنابي

نبهان الحنشي ١٤ أبريل ٢٠٢٢ لم أكن قد تجاوزت الثامنة أو التاسعة حينما باغتني ألم مفاجئ في المعدة لم استطع معه حتى الوقوف على قدمي. كان يومها أبي في إحدى رحلاته التجارية إلى دبي، سعت بي أمي إلى المستشفى الذي كان يبعد مشيا عنا قرابة النصف ساعة. لكني كنت كل مع كل دقيقة أو دقيقتين استوق

اشترك في النشرة

مقالات جديدة مباشرة إلى بريدك، بدون إزعاج.